المواعظ
%AM, %10 %280 %2015 %08:%أيار

الأحد السادس من القيامة - الحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحق وحدك

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد السادس من القيامة

الحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحق وحدك،

ويعرفوا الذي أرسلته يسوع المسيح( يو 17: 1- 26)

معرفة الله تقودنا إلى معرفة ربّنا يسوع، ومعرفة ربّنا يسوع تقودنا إلى معرفة الله، وهذه هي الحياة الحقيقية. لقد حاول الإنسان عبثاً أن يبحث عن الحياة الحقيقية بعيداً عن الله، فتاه في بحثهِ، ولم يجد نفسه ولم يجد الله، ولأن الله محبّة ومحبتهُ تدفعهُ لأن يبحث هو عن الإنسان التائه ليجدهُ، فيجد الإنسان نفسه. تاريخنا الإنساني يشهد لكثير من هذه الخبرات التي جعلت الإنسان يتيهُ بعيداً عن نفسه وعن الآخرين وعن الله بسبب كبريائه الإنسان وتشامخه الباطل. وها هو ربّنا يسوع يرفع الصلاة إلى الله حاملاً الإنسانية كلّها له، مُقدساً إياهاً مُعلناً البشارة: الحياة الأبدية هي ان يعرفوكَ أنّك أنت الإله الحق وحدَك، ويعرفوا الذي ارستلهُ يسوع المسيح.

هذه المعرفة ليست معرفة عقلانية بل أسلوب حياة نعيشهُ، وما يُميّز هذا الأسلوب هو أنه مؤسس على الإيمان بوجودِ الله، وهو الاله الحق، وهو إله قريبٌ منّا في شخص يسوع المسيح، فعندما نلتقي يسوع نلتقي الله، وهذا يكفينا. هذا الإيمان هو هبةٌ من الله، نعمةٌ منه، فهو الذي جاء وإلتقانا بربنا يسوع المسيح، فغيّر حياتنا كلياً، فلم نعد نخافُ الموت، ولا نعيش حياتنا حتّى لحظة الموت، بل نعرِف أن الله يُحبنا، ومحبتهُ تجعلنا نعيشُ حياةً مُحبةً مثلما هو أحبنا.

فكل مَن لا يعرف الله ولا يعترِف بوجوده سيعيش حياتهُ في خوفٍ من الفناء الذي يُحدثهُ الموت الجسدي، فيسعى لعيشٍ مترفٍ غير آباهٍ بأخيه الانسان. يبحث عن سعادتهِ الآنية فيجمع جشعاً من المال والثروات متوهماً أن له فيها الآمان، لأنه يخافُ الموت، ولا يؤمن بالله، فلا يعرِف المحبة ولن يحيا بها ومن خلالها. وتاريخ الانسانية يروي لنا عن حياة أناس كثيرين عاشوا من دون معرفة الله، وكم من نفوس بريئة أهلكوا لأنهم كانوا يؤمنون بأنفسهم لا بالله. كل مَن لا يعرِف الله ولا يؤمن به، معناه أنه يُؤمِن بنفسهِ ويحسِب نفسهُ هو الإله.

معرفة الله ومعرفة ربّنا يسوع المسيح مُرسل الله تجعلنا نعيش حياةَ المحبة التي يعيشها الله دوماً معنا. فلا يُمكن فصلُ هذه المعرفة، لأننا لا نُؤمن بأي إلهٍ كان، بل بالإله الذي بشّرَ به ربّنا يسوع دون سواهُ. وهذا الإله هو أبانا، فعندما نؤمن أن لنا جميعاً أبٌ في السمواتِ، سنعرِف كيف نتعامل بإخوّة مع مَن هم من حولِنا، ولن نطلُبَ منه أن يُرتّب العالم من حولنا مثلما نراهُ نحن، بل مثلما تقبلهُ محبتهُ هو. فنجعل من الأرض، بنعمتهِ سماءً. يروي لنا آباؤنا الروحيونَ عن إنسانَ صعِد إلى السماء وكان يتجول مع الملاك في الفردوس فرأى حُكماء يقرأون الكتاب المُقدس ويتأملون فيه، فسألَ الملاك: أهؤلاء في السماء؟ فأجابَ الملاك: كلا، بل السماءُ فيهم.

الإيمان بالله إلهاً أوحد وبيسوع مُخلصاً سيدعونا إلى أن نكون متواضعين في رؤيتنا لحياتنا، فنُقرُّ بأننا لسنا "الخالِق"، بل مخلوقين وهذا يعني إننا محدودين وعلينا أن نطلبَ المساعدة لاسيما عندما نكون نحن سبب فوضى العالم من حولنا. وهو يجعلنا أن نرى إخوتنا بعين المحبة مثلما كان ربّنا يسوع يراهم، فلم يُطعِمهم لأنهم كانوا جميعاً يؤمنونَ به، أو لأنهم كانوا يستحقونَ، بل أطعمهم بمحبة من دون تمييز ومن دون توبيخ. أطعمهم لأنهم كانوا بحاجةٍ إلى الطعام.

عندما تُقدم لنا الكنيسة خطاب ربّنا يسوع هذا في الأسبوع السادس من القيامة، فهي تُريدنا أن نعرِف أن القيامة ليست احتفالية لحدثٍ صار قبل ألفي عام، بل هي حياةٌ نعيشها يومياً. لذا، فالسؤال هو: هل نحن أبناء القيامة حقاً؟ هل تشهد حياتنا اليوم لحقيقة أننا نعرِف الله ونؤمن بأنه الله الحق وحده، وبأن ربنا يسوع هو مسيحُ الله؟ ففي قانون إيماننا الذي نُعلنهُ في كلِّ قُداسٍ، لا نذكر أسماء الأنبياء والرسل وحتّى مَن نقلوا لنا الأناجيل، بل نذكر إسمين فقط: مريم التي قبلِت كلمة الله، وبيلاطس البنطي الذي حكمَ على ربّنا يسوع بالموت، وهو تنبيهُ لنا من أن ربّنا يسوع الذي نحملهُ في قلوبنا ليس بأمانٍ دوماً بسبب ضعفَ هذه المحبة، لأننا يُمكن أن نُسلّمهُ للموت للحفاظ على راحتنا ومنفعتنا الشخصية.

فلنطلب من أمنا مريم، والتي نُكرمها في هذا الشهر المُخصص لها، أن تساعدنا في أن نعيش دوماً حياتنا خٌداماً لله القدير، حاملين بشارة ربّنا يسوع المسيح لكل مَن نلقاهم في حياتنا.

قراءة 43789 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *