الأربعاء 11 مارس 2015
| جديد الأخبار |
|
| جديد المقالات |
|
المتواجدون الآن
تغذيات RSS
|
|
رسالة رسولية إلى جميع المكرسين
12-05-2014 10:29
عظة إحتفالية إفتتاح سنة الحياة المُكرسة
الخميس 4 كانون الأول 2014
رسالة رسولية
إلى جميع المكرسين
للبابا فرنسيس
(ترجمة غير رسمية)
ترجمة
الأب البير ابونا
كانون الأول 2014
أيها المكرَّسون والمكرسات الأحباء
أكتب إليكم بصفتي خليفة بطرس الذي سلمه الرب مهمة تثبيت إخوته في الإيمان (راجع لو 23:22)، وأكتب إليكم مثل أخيكم ومكرَّس لله مثلكم.
نشكر معاً الآب الذي دعانا لاتبّاع يسوع في الانضمام التام إلى إنجيله في خدمة الكنيسة، والذي أفاض في قلوبنا الروح القدس الذي يولينا الفرح ويجعلنا نؤدي الشهادة في العالم كله لمحبته ورحمته.
وأذ أكون صدى لشعور كثيرين منكم وللمجمع الخاص بمعاهد الحياة المكرسة وجمعيات الحياة الرسولية، بمناسبة الذكرى الخمسين للدستور العقائدي "نور الأمم" الذي، في الفصل السادس، يتطرق إلى الرهبان، وكذلك للقرار "المحبة الكاملة" في تجديد الحياة الرهبانية، قررتُ افتتاح سنة "للحياة المكرَّسة". وستبدأ في 30 تشرين الثاني الجاري، وهو الأحد الأول من زمن المجيء (سوبارا)، وستنتهي بعيد تقدمة يسوع إلى الهيكل في 2 شباط 2016.
فبعد أن سمعتُ المجمع الخاص بمعاهد الحياة المكرَّسة وجمعيات الحياة الرسولية، عيّنتُ أهدافاً لهذه السنة هي نفسها تلك التي كان القديس يوحنا بولس الثاني قد عرضها على الكنيسة في مطلع الألف الثالث، وهو يعيد، نوعاً ما، ما كان قد أشار إليه في رسالة ما بعد سينودس "الحياة المكرَّسة": "لا ينبغي لكم أن تتذكروا وان ترووا تاريخاً مجيداً فحسب، بل عليكم أن تكوّنوا تاريخاً مجيداً! أنظروا إلى المستقبل حيث يرسلكم الروح ليصنع معكم أيضاً اموراً عظيمة (العدد 110).
1- الأهداف لسنة الحياة المكرَّسة
1.الهدف الأول هو النظر إلى الماضي بامتنان. كلٌ من مؤسساتها يأتي من تاريخ مواهبي (كاريسماتيك)، غني؛ وفي بداياته يأتي عمل الله الذي، في روحه، يدعو بعض الأشخاص للسير من قريب على خطى المسيح، وللإعراب عن الإنجيل في صيغة حياة خاصة، ولأن يقرأوا علامات الأزمنة بعيون الإيمان، وللإجابة بإبداع على احتياجات الكنيسة. وقد نمت خبرة البدايات بعد ذلك وتوسعت، وأشركت اعضاء آخرين في سياقات جديدة، جغرافية وثقافية، وأنشأت طرقاً جديدة لتفعيل الموهبة، ولمبادرات جديدة وتعابير محبة رسولية. فهي مثل زرع يصبح شجرة اذ يبسط اغصانه.
وخلال هذه السنة، سيكون من اللازم على كل أسرة مواهبية أن تتذكر بداياتها ونموها التاريخي، لكي تشكر الله الذي وفرَّ هكذا لكنيسته كل هذه المواهب التي تجعلها جميلة ومجهَّزة لكل عمل صالح (راجع نور الأمم، العدد 12).
أن رواية التاريخ ضرورية لكل مؤسسة لكي تحفظ هويتها حية، وللتأكد على وحدة الأسرة ومعنى الإنتماء لدى اعضائها. ولا يتوقف الأمر على دراسة الآثار، أو على الانشغال بالحنين إلى الماضي بغير جدوى، بل بالاحرى على السير من جديد في طريق الأجيال الماضية. لنتلقى منها شرارة إلهام، والمثل العليا، والمشاريع، والقيم التي دعتها إلى التحرك، بدءاً من المؤسسين والمؤسِسات ومن الجماعات الأولى. وهذه أيضاً طريقة للتوعية بالطريقة التي بها عيشت هذه الموهبة طوال التاريخ، وما الإبداع الذي رُفعت إليه؟ وما الصعوبات التي جابهتها؟ وكيف تم التغلب عليها؟ سيتسنى لنا اكتشاف عدم التناسق، وهي ثمرة الضعف البشري ، وربما أحياناً أيضاً نتيجة نسيان لبعض المظاهر الاساسية للموهبة. فكل شيء يعلمنا ويصبح في الوقت نفسه دعوة إلى الاهتداء. فرواية التاريخ هي للمؤسسة اداء الشكر لله على جميع مواهبه.
أننا نشكره بنوع خاص لهذه السنوات الخمسين التي تبعت المجمع الفاتيكاني الثاني الذي مثل هو "هبة" الروح القدس للكنيسة كلها. فبفضله عاشت الكنيسة سبيلاً خصباً للتجدد، مع ما يثوره من الأنوار والظلمات. أنه كان زمان نعمة موسومة بحضور الروح القدس.
لتكن هذه سنة الحياة المكرَّسة أيضاً لكل مكرَّس فرصة ليعترف بتواضع بضعفه وبثقة كبيرة بإله المحبة (راجع 1 يو 8:4) بصنعه، ولكي يعيشها مثل خبرة محبة الرب الرحيمة، وفرصة لكي يصرخ للعالم بقوة ويشهد بفرح للقداسة والحيوية الموجودتين عند العديدين من الذين دُعُوا ليتبعوا المسيح في الحياة المكرسة.
2-أن هذه السنة تدعونا أيضاً لنحيا الحاضر بحماس. فذكر الماضي بشكر يدفعنا، في إصغاء منتبه إلى ما يقوله الروح للكنيسة اليوم، إلى أن نحقق، بنوع أعمق دوماً، الجوانب المكوِّنة لحياتنا المكرَّسة.
منذ بدايات الحياة الرهبانية الأولى، وحتى "الجماعات الجديدة" اليوم، كل شكل من الحياة المكرَّسة نشأ من دعوة الروح إلى اتّباع المسيح، كما جاء في الإنجيل (راجع المحبة الكاملة، العدد2). وللمؤسسين والمؤسِسات، كان الإنجيل القاعدة المطلقة، وكل قاعدة أخرى كان يجب أن تكون تعبيراً عن الإنجيل وأداة لعيشه بملئه. وكان المثل الأعلى هو المسيح والانضمام إليه تماماً حتى يتسنى للمرء أن يقول مع القديس بولس: "حياتي هي المسيح" (فيلبي21:1). وكان معنى النذور فقط تفعيل محبتهم المغرمة.
والسؤال الذي علينا أن نطرحه على ذاتنا خلال هذه السنة هل ندع الإنجيل يخاطبنا وكيف؟ فإذا هو حقاً رفيقنا لحياتنا اليومية وللخيارات التي نحن مدعوون لإجرائها، فهو يقتضي ويطلب أن يُعاش بجذرية ونزاهة. فلا يكفي أن تقرأه (ولو أن القراءة والدرس يبقيان مهمين جداً)، ولا يكفي أن نتأمله (ونفعل ذلك بفرح كل يوم)، فيسوع يطلب منا أن نضعه حيز التنفيذ، وأن نعيش كلماته.
وعلينا أن نتساءل أيضاً: هل حقاً يسوع هو حبنا الأول والأوحد، كما عبرنا عن ذلك حينما أقدمنا على نذورنا؟ فإذا كان الأمر هكذا فحسب يمكننا ويترتب علينا أن نحب في الحق والرحمة كل إنسان نلقاه على دربنا، اذ نكون قد تعلمنا من المسيح ما هي المحبة وكيف نحب. سنعرف أن نحب اذ سيكون لنا قلبه ذاته.
لقد شعر مؤسسونا ومؤسِساتنا في ذواتهم بالشفقة التي أحس بها يسوع لما كان يرى الجموع مهَملة مثل غنم لا راعي لها. وكما أن يسوع، مدفوعاً بهذه الشفقة، أعطى كلمته، وشفى المرضى وأعطى الخبز للجائعين، وبذل حياته، هكذا المؤسسون أيضاً وضعوا ذواتهم في خدمة البشر الذين إليهم أرسلهم الروح القدس، حسب مختلف الطرق: التشفع، كرازة الإنجيل، التعليم المسيحي، التربية، خدمة الفقراء والمرضى،... إن مخيلة المحبة لم تعرف حدوداً، وعرفت ان تفتح سبلاً عديدة لتحمل نفحة الإنجيل إلى الثقافات، وإلى الأوساط الاجتماعية الأكثر تنوعاً.
إن سنة الحياة المكرسة تسألنا عن الأمانة للرسالة التي عُهدت إلينا. فهل تتجاوب خدماتنا وأعمالنا وحضورنا مع ما طلبه الروح من مؤسِسينا؟ وهل هي مكيفة لمواصلة أهدافنا في المجتمع وفي الكنيسة اليوم؟ وهل ثمة شيء ينبغي لنا أن نغيره؟ وهل لدينا الحماسة عينها للناس الذين نتعامل معهم؟ وهل نحن قريبون منهم لكي نقاسمهم أفراحهم وآلامهم، ولكي نفهم حقاً احتياجاتهم و نسهم في الإجابة عليها؟ وكان القديس يوحنا بولس الثاني يتساءل منذ ذلك الوقت ويقول: أن السخاء والتجرد ذاتهما يجب أن يقوداكم، أنتم ابناءهم الروحيين، إلى إبقاء مواهبهم حية، تلك المواهب التي. بقوة الروح نفسها التي أثارتهم ليضعوا ذواتهم في خدمة الكنيسة ولكي يقودوا نشر ملكوته إلى ملئه1.
في التذكر بالاصول، يُسلَّط الضوء إلى مكوّنة اضافية لمشروع الحياة المكرسة. كان المؤسسون والمؤسِسات منجذبين بوحدة الاثني عشر حول يسوع، وبالشركة التي كانت تميز جماعة أورشليم الأولى. واذ منحوا الحياة لجماعتهم الخاصة بهم، توخى كل منهم تجديد هذه النماذج الإنجيلية، أي أن يكونوا قلباً واحداً ونفساً واحدة وأن ينعموا بحضور الرب (راجع المحبة الكاملة، العدد 15).
أن نحيا الحاضر بحماس يعني أن نصبح "خبراء شركة" وشهوداً صانعين لهذا " مشروع الشركة" الذي يوجد في قمة تاريخ الإنسان بحسب الله2. في مجتمع التحدي وفي التعايش الصعب بين الثقافات المختلفة، واحتقار الأضعفين، وفي عدم المساواة، نحن مدعوون لنقدم نموذجاً واقعياً للجماعة التي، من خلال الاعتراف بكرامة الانسان، ومقاسمة الموهبة التي يحملها كل انسان، تتيح عيش علاقات اخوية.
كونوا إذاً نساء شركة ورجال شركة. وكونوا حاضرين بشجاعة حيثما توجد اختلافات وتوترات، وكونوا علامات ذات مصداقية لحضور الروح الذي يفيض في القلوب الحماس ليكون الجميع واحداً (يو ١٧: ٢١). عيشوا تصوّف اللقاء: طاقة السماع والاصغاء الى الاخرين، وطاقة البحث معاً عن السبيل وعن الطريقة3 اذ تَدَعون المجال لعلاقة المحبة التي تجتاز بين الاقانيم الثلاثة الالهية ان تنيركم (راجع ١يو ٤: ٨)، هذا النموذج لكل علاقة بين الاشخاص.
3-ان احتضان المستقبل برجاء يكون الهدف الثالث لهذه السنة. نعلم الصعوبات التي تلقاها الحياة المكرسة في مختلف اشكالها: نقص الدعوات والشيخوخة، لا سيما في العالم الغربي، المعضلات الاقتصادية نتيجة الازمة المالية العالمية الخطرة، تحديات اختلاف القوميات والعولمة، تجارب النسبية، والتهميش والتفاهة الاجتماعية. وفي عدم اليقين هذا الذي نتقاسمه مع كثيرين من معاصرينا يتفاعل رجاؤنا، ثمرة الايمان برب التاريخ الذي يكرر لنا باستمرار: "لا تخف... لأني معك" (ارميا ١: ٨).
إن الرجاء الذي نتكلم عنه لا يتأَسس على ارقام ولا على مشاريع، بل على ذلك الذي وضعنا فيه ثقتنا (٢طيم ١: ١٢)، والذي لا شيء مستحيل عنده (يو ١: ٣٧). وهنا هو الرجاء الذي لا يخيب والذي سيتيح للحياة المكرسة ان تواصل كتابة تاريخ في المستقبل، اليه يجب ان نوجه نظرنا، ونحن على وعي بأن الروح القدس يدفعنا اليه لكي يستمر في ان يحقق معنا اموراً عظيمة.
لا تنقادوا لتجربة العدد والفاعلية ولا للاعتماد على قوانا الخاصة. افحصوا آفاق حياتكم والوقت الحالي بسهرة يقظة. وانا اكرر عليكم مع البابا بندكتس السادس عشر: "لا تنضموا الى انبياء الشؤم الذين يعلنون نهاية الحياة المكرسة في كنيسة اليوم وعدم معناها، بل توشحوا بالاحرى باسلحة النور كما يحث القديس بولس (راجع روم ١٣: ١١-١٤)، بالبقاء ساهرين وواثقين4 لنواصل ولنستأنف سبيلنا دوماً بالثقة بالرب.
واوجه كلامي بخاصة اليكم ايها الشباب. انتم الحاضر، لانكم تعيشون من الآن بنشاط داخل مؤسساتكم، اذ تقدمون اسهاماً حاسماً بنضارة اختياركم وسخائه. وفي الوقت نفسه انتم مستقبل هذه المؤسسات، اذ انكم قريباً ستُدعَون الى استلام قيادة الانعاش والتنشئة والخدمة والرسالة. وهذه السنة ستكونون ابطالاً في الحوار مع الجيل الذي هو امامكم. وفي شركة اخوية سيمكنكم ان تغتنوا بخبرتها وحكمتها، وفي الوقت نفسه ستستطيعون ان تقدموا لها من جديد المثل الاعلى الذي عرفته في بدايتها، وان توفروا لها الاندفاع ونضارة حماستكم، لكي تكوّنوا معاً طرقاً جديدة لعيش الانجيل واجوبة تتكيف دوماً اكثر مع مقتضيات الشهادة والاعلان.
وانا سعيد اذ اعلم انه ستكون لكم فرص للتجمع فيما بينكم، انتم الشباب من مختلف المؤسسات. ليصبح اللقاء سبيلاً اعتيادياً للشركة والمساندة المتبادلة والوحدة.
2- ما يُنتَظر لسنة الحياة المكرّسة
ماذا انتظر بنوع خاص من هذه سنة النعمة، سنة الحياة المكرسة؟
1- ان يكون صحيحاً ما قلته يوما "حيثما يكون الرهبان، يكون الفرح". ان نكون مدعوين لنختبر ونعلن ان الله قادر ان يملأ قلبنا وان يجعلنا سعداء، دون ان نحتاج إلى البحث عن سعادتنا في موضع آخر، وان الأخَّوة الاصيلة المعاشة في جماعاتنا تغذي فرحنا، وان عطاءنا الكلي في خدمة الكنيسة، والعوائل، والشباب، والمسنين، والفقراء، يحققنا كأشخاص ويولي الملء لحياتنا.
ينبغي ألا توجد بيننا اوجه حزينة، واشخاص غير راضين، "لأن تابعاً حزيناً هو بئس التابع". فنحن ايضاً شأن جميع الرجال والنساء، لدينا صعوباتنا: ليلة الروح، احباطات، امراض، تضاؤل القوى من جراء الشيخوخة. وكان علينا في هذه الامور بالضبط ان نجد "الفرح الكامل"، وان نتعلم التعرف الى وجه المسيح الذي جعل نفسه شبيهاً بنا في كل شيء، وبالنتيجة علينا ان نشعر بالفرح إذ نعلم اننا شبيهون به هو الذي، محبة بنا، لم يرفض ان يحتمل الصليب.
في مجتمع يتفاخر بعبادة الفاعلية ويتوخى الصحة والنجاح، ويهمّش الفقراء ويستبعد "الخاسرين"، يمكننا ان نشهد، خلال حياتنا، لحقيقة الكتاب المقدس: "عندما اكون ضعيفاً اكون قوياً" (٢ قو ١٢: ١٠).
ويمكننا ان نطبّق على الحياة المكرّسة ما كتبته في الارشاد الرسولي "فرح الانجيل"، اذ استشهدت بموعظة لبندكتس السادس عشر: "لا تنمو الكنيسة بالدعاية، بل بالاجتذاب" (العدد ١٤). اجل، لا تنمو الحياة المكرسة إذا ما نظمت حملات جميلة للدعوات، بل اذا ما شعر الشباب الذين يلتقوننا بالانجذاب الينا، واذا رأوا اننا رجال ونساء سعداء. كذلك، لا تتعلق فاعليتها الرسولية بفاعلية وبقدرة وسائلها. انما حياتكم هي التي يجب ان تنطق، حياة منها يُستَشَفُّ الفرح وجمال عيش الانجيل والسير على خطى المسيح.
واكرر عليكم ايضاً ما قلته في السهرة الاخيرة لعيد العنصرة للحركات الكنائسيّة، "ان قيمة الكنيسة هي اساساً ان تحيا الانجيل وان تشهد لايماننا. الكنيسة ملح الارض، ونور العالم، وهي مدعوة لتجعل في المجتمع خميرة ملكوت الله، وتفعل ذلك قبل كل شيء بشهادتها، شهادة المحبة الاخوية، والتضامن والمقاسمة" (١٨ ايار ٢٠١٣).
٢- انتظر ان "توقظوا العالم"، لان العلامة التي تميز الحياة المكرسة هي النبؤة. وكما قلت للرؤساء العامين: "ان الجذرية الانجيلية لا تعود الى الرهبان فحسب؛ انها تُطلَب من الجميع. إلا ان الرهبان يتبعون الرب بنوع خاص، وبطريقة نبوية" هذه هي الاولية التي تُقتضى الان: "ان نكون انبياء يشهدون كيف عاش يسوع على الارض... لا ينبغي للراهب ان يتخلى ابداً عن النبؤة" (٢٩ تشرين ٢ ٢٠١٣).
ان النبي يتلقى من الله طاقة فحص التاريخ الذي يعيش فيه، وتأويل الاحداث. هو مثل حارس يسهر طوال الليل ويعلم متى يأتي الفجر (راجع اشعيا ٢١: ١١-١٢). وهو يعرف الله، ويعرف الرجال والنساء، اخوته واخواته. وهو قادر ان يميز وقادر ايضاً ان يخبر بشرِّ الخطيئة وبالمظالم، لانه حرّ. فلا ينبغي له ان يجيب على سيد اخر ما عدا الله، وليس له مصالح اخرى عدا مصالح الله. وهو يلتزم عادة بجانب الفقراء والذين هم بلا مدافع، لان الله نفسه من جانبهم!
فانتظر اذاً لا ان تنشغلوا "بأوهام بل ان تعرفوا ان تخلقوا مواضع اخرى" حيث يعاش المنطق الانجيلي للهبة، والاخوّة، وتقبُّل التنوّع، والمحبّة المتبادلة. فالاديرة، والجماعات، ومراكز الروحانية، وقرى الاستقبال، والمدارس، والمستشفيات، والبيوت العائلية، وجميع هذا المواضع التي انشأتها المحبّة والابداع المواهبي - والتي سينشؤنها ايضاً بإبداع جديد - يجب ان تصبح دوماً اكثر خميرة مجتمع ملهم بالانجيل، "المدينة على الجبل" تعلن الحقيقة وقدرة كلمات يسوع.
وغالباً كما حدث الامر لايليا ويونان- قد تأتي تجربة الهروب والتملص من مهمة النبي، لانها مهمة مقتضية الى حد الافراط، ولاننا تعبون ومحبطون بالنتائج. الا ان النبي يعلم انه ليس وحيداً ابدا- فلنا ايضاً مثلما لارميا يقول الله بالتأكيد "لا تخف فإني معك لأُدافع عنك" (ارميا ١: ٨).
٣- من الرهبان والراهبات، شأن جميع الاشخاص المكرسين، مدعوون ليكونوا "خُبراء شركة". وبالنتيجة فاني انتظر ان تصبح حقيقة "روحانية الشركة التي اشار اليها القديس يوحنا بولس الثاني، وان تكونوا في الخط الاول لكي تتلقوا التحدي الاكبر الماثل امامنا" في هذه الألفية: "ان تجعل من الكنيسة بيتاً ومدرسة للشركة"5 وانا متأكد من انكم ستعملون طوال هذه السنة برصانة لكي ينمو هذا المثل الاعلى للاخوة الذي توخاه دوما المؤسسون والمؤسسات على جميع الصعد، مثل حلقات متراكزة.
وتُمارَس الشركة قبل كل شيء داخل الجماعات التابعة للمؤسسة، وفي هذا الصدد ادعوكم الى قراءة تدخلاتي المتواترة التي فيها لا اكفّ عن التكرار ان الانتقادات والثرثرات والحسد والتنافسات والمعاكسات هي مواقف لا يحق لنا ان تسكن في بيوتنا. وبعد هذا، فإن طريق المحبة الذي يكاد ان ينفتح امامنا يكاد ان يكون غير متناهٍ، لان الامر يتوقف على الاستمرار في التقبل والانتباه المتبادل، وفي الشركة في الخيرات المادية والروحية، والاصلاح الاخوي، واحترام الاشخاص الاضعفين... وهذا هو "تصوف العيش معاً" الذي يجعل حياتنا حجاً مقدساً6. وعلينا ان نتسائل ايضاً عن العلاقة بين الاشخاص من ثقافات مختلفة، مع الملاحظة ان جماعاتنا تصبح دولية اكثر دوماً. فكيف يُمنحَ لكل واحد ان يعبّر عن ذاته، وان يُقبل مع مواهبه الخاصة وان يصبح مسؤولاً مساهماً تماماً.
وبالاضافة الى هذا، انتظر ان تنمو المشاركة بين اعضاء ومختلف المؤسسات. الا يمكن ان تكون هذه السنة فرصة للمرء ليخرج بشجاعة اكبر من حدود مؤسسته الخاصة، ويضم معاً، على الصعيد المحلي والعام، مشاريع مشتركة للتنشئة والتبشير والمداخلات الاجتماعية. وهكذا يمكن ان نقدم شهادة نبوية حقيقية بصورة فعالة. فالشركة واللقاء بين مختلف المواهب والدعوات طريق للرجاء. فلا احد يبني المستقبل بانعزاله، ولا بقواه الخاصة، بل ان يرى ذاته في حقيقة شركة تنفتح دوماً للقاء والحوار والاصغاء، والمساعدة المتبادلة، وتقينا من المرض الذي يجعلنا نعتبر ذاتنا المرجعية الذاتية.
وفي الوقت نفسه، تُدعى الحياة المكرسة الى تجمع نزيه بين جميع الدعوات الكنسية، انطلاقاً من الكهنة والعلمانيين، في سبيل "تنمية روحانية الشركة اولاً داخلها، ثم في الشركة الكنائسيّة وما وراء حدودها"7.
٤- وانتظر منكم ايضاً ما اطلبه من جميع اعضاء الكنيسة: الخروج عن الذات والذهاب الى الضواحي الوجودية. "اذهبوا الى العالم كله": هذه كانت الكلمات الاخيرة التي وجهها يسوع الى رسله، والتي يستمر في توجيهها الينا اجمعين (راجع مر ١٦: ١٥). انها بشرية بكاملها تنتظر: اشخاص فقدوا كل رجاء، عوائل في وضع صعب، اولاد متروكون، شباب أُغلق بوجههم كل مستقبل مسبقاً، مرضى واشخاص مسنٌون مهملون، اغنياء مشبعون بالخيرات وقلبهم فارغ، رجال ونساء يبحثون عن معنى الحياة وهم عطاش الى الالهي...
لا تنطووا على ذواتكم، ولا تدعوا المجال لمماحكات عائلية تافهة ان تخنقكم، ولا تظلوا سجناء مشاكلكم. فهي تُحل اذا ذهبتم الى الخارج لتحاولوا مساعدة الاخرين لحل مشاكلهم واعلان البشرى السارة. ستجدون الحياة حيثما تمنحون الحياة، والرجاء حيثما تعطون الرجاء، والمحبة حينما تحبون!
أنتظر منكم مبادرات واقعيّة لاستقبال اللاجئين، والاهتمام بالفقراء، والابداع في التعليم المسيحي، وفي إعلان الانجيل، وفي التنشئة على حياة الصلاة، وبالنتيجة أتمنى التخفيف عن البُنى، واعادة استخدام البيوت الكبيرة لمشاريع تتجاوب اكثر مع المتطلبات الحالية للتبشير، والمحبة، وتكييف الاعمال للاحتياجات الجديدة.
5- انتظر ان يتساءَل كل شكل من الحياة المكرسة عما يطلبهُ الله وبشرية اليوم.
ان الاديرة وفرق التوجيه التأملي تستطيع ان تتلاقى أو أن ترتبط ببعضها بطرق اكثر تنوعاً للتبادل بالخبرات وفي شأن حياة الصلاة، وكيف تنمو في الشركة مع الكنيسة كلها، وكيف تدعم المسيحيين ، المضطهدين، وكيف تستقبل وترافق اولئك الذين يبحثون عن حياة روحية اكثر كثافة أو الذين يحتاجون إلى دعم ادبي أو مادي.
والمؤسسات المهتمة بأعمال المحبة (الرحمة)، والمكرّسة للتعليم وترقية الثقافة، والذين يعكفون على اعلان الانجيل أو الذين يطوّرون خِدماً راعوية خاصة، والمؤسسات العلمانية بحضورها المنتشر في البُنى الاجتماعية يمكنها ان تفعل كذلك بسهولة ولا ان نسجلها في مخططات مفبركة مسبقاً. فلا يسعني اذاً ان ارجع إلى كل شكل من الموهبة (كاريسم)، ولا يجوز لاحد، في هذه السنة، ان يتهرب من تعديل رصين يتعلق بحضوره في حياة الكنيسة وطريق الجواب على الطلبات الجديدة المستمرة التي ترتفع حولها، وعلى صراخ الفقراء.
وفي هذا الانتباه وحده الى احتياجات العالم وفي المرونة لا ندفاعات الروح القدس، تتحول هذه الحياة المكرّسة إلى فرح أصيل وإلى زمان لله غني بالنعم والتغييرات.
3- آفاق سنة الحياة المكرّسة
1-بهذه الرسالة، إضافة للاشخاص المكرّسين، أوجه كلامي الى العلمانيين الذين معهم، يتقاسمون المثُل العليا، والروح، والرسالة، ولبعض الموسسات الرهبانية تقليد قديم في هذا الشأن ، ولغيرها خبرة أجدد عهداً، وفي الواقع، حول كل اسرة رهبانية، كما هو شأن ايضاً مع جمعيات الحياة الرسولية وحتى مع الموسسات العلمانية، اسرة اخرى اكبر حاضرة هي "الاسرة المواهبية" (الكاريسماتيكية) التي تتضمن موسسات عديدة تعيش الموهبة ذاتها، ولاسيما المسيحيون العلمانيون الذين يشعرون بكونهم مدعوين، في وضعهم العلماني الخاص، الى المشاركة في الحقيقة المواهبية نفسها.
واشجعكم أنتم ايضاً أيها العلمانيون لتحيوا هذه سنة الحياة المكرّسة مثل نعمة يمكنها ان تزيدكم وعياً بالهبة التي تلقيتموها. احتفلوا به مع "الاسرة" كلها، لتنموا وتجيبوا معاً الى نداءات الروح في المجتمع المعاصر، وفي بعض الفرص، حينما سيتلاقى هذه السنة مكرّسو مختلف الموسسات، حاولِوا الحضور انتم ايضاً كتعبير لعطاء الله الأوحد، لكي تعرفوا خبرات الاسر الأخرى المواهبية والفرق الاخرى للعلمانيين، ولكي تغتنوا وتسندوا بعضكم بعضاً.
2- ان سنة الحياة المكرّسة لا تتعلق بالاشخاص المكرّسين فحسب، بل بالكنيسة كلها. وهكذا فأني اوجه كلامي الى الشعب المسيحي كله، لكي يزداد وعياً بالهبة التي هي حضور جميع هؤلاء المكرسين والمكرسات، ورثة قديسين كبار صنعوا تاريخ المسيحية. فماذا كانت الكنيسة تكون دون القديس بندكتس والقديس باسيليوس، ودون القديس اوغسطينس والقديس برنردوس، ودون القديس فرنسيس والقديس دومنيك (عبدالاحد)، ودون اغناطيوس دي ليولا والقديسة تريزا الافيلية، ودون القديسة انجيلة مريشي، والقديس منصور دي ﭙول واللائحة طويلة جداً حتى القديس يوحنا بوسكو والطوباوية تريزا دي كلكوتا. وكان الطوباوي بولس السادس يؤكد : "بدون هذه العلاقة الواقعية، لتعرضت محبة مجموعة الكنيسة الى البرود، وكلّت مفارقة الانجيل الخدمية ّ، وذاب و"ملح" الايمان في عالم ماضٍ الى العلمانية. (الشهادة الانجيلية، العدد 3)
فادعو اذاً الجماعات المسيحية لتعيش هذه السنة لتشكر الرب وتذكر بامتنان جميع العطايا التي تلقتها و ما تزال تتلقاها من خلال قداسة المؤسسين والمؤسسات، ومن خلال المكرّسين لموهبتهم الخاصة. ادعوكم جميعا لتتواجدوا حول الأشخاص المكرسين، وإلى الابتهاج معهم، ومقاسمة صعوباتهم، والتعاون معهم، قدر المستطاع، لمواصلة خدمتهم وعملهم وهما أيضاً خدمة الكنيسة وعملها. اجعلوهم يشعرون بموّدة الشعب المسيحي وحرارته.
أبارك الرب على فرصة سنة الحياة المكرسة السعيدة مع سينودس العائلة. فالعائلة والحياة المكرسة هما دعوتان تحملان الغنى والنعمة للجميع، ومساحات من الأنسنة في بنيان علاقات حيوية، وموضوعان للأنجلة يمكننا فيهما أن نساعد بعضنا بعضاً.
3- بهذه الرسالة أتجاسر واوجه كلامي أيضاً إلى الأشخاص المكرسين وإلى أعضاء أخوّات وإلى جماعات تنتمي إلى كنائس ذات تقليد مختلف عن التقليد الكاثوليكي. فالرهبانية تراث للكنيسة غير المنقسمة، وهي حية دوماً في الكنائس الأرثوذكسية كما في الكنيسة الكاثوليكية. ومن هذا التراث، كما من خبرات أخرى لاحقة، منذ أن كانت الكنيسة الغربية ما تزال متحدة، شكلت مبادرات متشابهة برزت في أوساط الجماعات الكنائسية للأصلاح وهي قد أدت إلى ظهور أشكال أخرى من جماعات أخوية وخدمية.
إن مجمع مؤسسات الحياة المكرسة وجمعيات الحياة الرسولية قد برمج مبادرات في التقاء الأعضاء المنتمين إلى خبرات حياة مكرسة وأخوية لمختلف للكنائس. فأنا اشجع بحرارة هذه اللقاءات لكي تنمو المعرفة المتبادلة والتقدير، والتعاون المتبادل، بحيث تكون مسكونية الحياة المكرسة مساعدة للسير الأسرة نحو الوحدة بين جميع الكنائس.
4-ولا يمكننا أن ننسى أن حدث الرهبانية وتعابير أخرى من الأخوّة الرهبانية، حاضر في جميع الديانات الكبيرة. وهناك خبرات، ومنها عميقة، للحوار الرهباني بين الكنيسة الكاثوليكية وبعض التقاليد الرهبانية الكبيرة. فأتمنى أن تكون سنة الحياة المكرسة فرصة لتقيم الطريق الذي قطع في سبيل تحسس الأشخاص المكرسين في هذا المضمار، لكي نتساءَل عن الخطوات الاضافية التي يجب اتخاذها نحو معرفة متبادلة أعمق دوماً، ولأجل تعاون في مضامير عديدة مشتركة لخدمة الحياة البشرية.
أن السير معاً يشكّل دوماً غنى ويمكنه أن يفتح طرقاً جديدة لعلاقات بين شعوب وثقافات تبدو في هذا الوقت محفوفة بصعوبات.
5-أخيراً أوجه كلامي بنوع خاص إلى أخوتي في الأسقفية. لتكون هذه السنة مناسبة لتلقي قلبياً وبفرح الحياة المكرسة مثل رأس مال روحي يعيد لخير كل جسد المسيح (راجع نور الأمم، العدد 43) وليس للأسر الرهبانية وحدها. " فالحياة المكرسة هبة للكنيسة، وهي تنشأ في الكنيسة، وتنمو في الكنيسة، وهي كلها موجهة نحو الكنيسة" 8. لذا، فلكونها هبة للكنيسة، ليست حقيقة منعزلة ولا هامشية، بل هي لها بنوع عميق. انها في قلب الكنيسة مثل عنصر حاسم لرسالتها، لكونها تعبّر عن صميم طبيعة الدعوة المسيحية، وأمتداء الكنيسة العروس كلها نحو الاتحاد بالعريس الأوحد. ومعها "تقود دون شك إلى حياتها وإلى قداستها (الموضع نفسه، العدد44).
وفي هذا السياق، أدعوكم يا رعاة الكنائس الخاصة إلى اهتمام خاص بترقية مختلف المواهب في جماعاتكم، تاريخية كانت أم جديدة، وذلك إذ تساندون التمييز وتنعشونه وتساعدونه، وتجعلون أنفسكم قريبين بحنان ومحبة من أوضاع الآلام والضعف التي قد يكون فيها بعض المكرسين، ولا سيما اذ تنيرون شعب الله بتعليمكم حول قيمة الحياة المكرسة بحيث تجعلون جمالها والقداسة في الكنيسة يشعان.
وأسلم إلى مريم، عذراء الإصغاء والمشاهدة والتلميذة الأولى لابنها الحبيب، هذه سنة الحياة المكرسة. وهي، ابنة الآب الحبيبة والموشحة بجميع هبات النعمة، والتي نعتبرها نموذجاً لا يُضاهَى للتابعة (الخادمة) في محبة الله وفي خدمة القريب.
واذ اشكر منذ الآن معكم جميعاً لأجل هبات النعمة والنور التي يريد الرب أن يغنيكم بها، أرافقكم جميعاً بالبركة الرسولية.
من الفاتيكان، في 21 تشرين الثاني 2014، عيد تقدمة العذراء مريم الطوباوية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-الهوامش
1. رسالة رسولية، طرق الإنجيل، إلى الرهبان والراهبات في أمريكا اللاتينية، بمناسبة المئة الخامسة لأنجلة العالم الجديد(في 29 حزيران 1990)التوثيق الكاثوليكي 2013، ص834 -844، العدد26.
2. مجمع مؤسسات الحياة المكرسة وجمعيات الحياة الرسولية: الرهبان والترقية البشرية. 12 آب 1980، العدد 24، الرقيب الروماني، الملحق 12 تشرين الثاني 1980 ص 801.
3. خطاب إلى مدراء وطلاب الكليات الحبرية في روما، 12 أيار 2014.
4. موعظة لعيد تقدمة يسوع إلى الهيكل، 2 شباط 2013.
5. رسالة رسولية إطلالة الألف الثالث، 6كانون الثاني 2001، العدد 43.
6. أرشاد رسولي، فرح الإنجيل، 24 تشرين الثاني 2013، العدد 87.
7. يوحنا بولس الثاني، أرشاد رسولي بعد السينودس: الحياة المكرسة، 25 اذار 1996. العدد 51.
8. سيادة المونسينيور ج.م بيرغوغليو، مداخلة في السينودس في الحياة المكرسة ورسالتها في الكنيسة وفي العالم. الإجتماع العام السادس عشر في 13 تشرين الأول 1994.
|
خدمات المحتوى
|
البابا فرنسيس
تقييم
|
|
|
GoDaddy