sour raisy
في
الجمعة 1 أغسطس 2014

جديد الأخبار
جديد المقالات


المتواجدون الآن


تغذيات RSS

ومضات 3/ الوليمة
11-10-2012 09:26

الوليمة

هذا مثل آخر من امثال الملكوت الذي يشبّهه يسوع ههنا بوليمة. فالموضوع الأساسي ههنا واحد : الوليمة. الا ان الاختلافات الواردة في تفاصيل هذا المثل كثيرة.
فصاحب الوليمة في انجيل القديس متى (1:22-14) ملك اقام هذه الوليمة في عرس ابنه. اما في انجيل القديس لوقا (16:14-24) فهو رجل يبدو غنياً، واقام عشاء فاخراً. ولا تُذكر المناسبة التي دعت الى اقامة هذه الوليمة او هذا العشاء.

الدعوة موجّهة في متى الى أناس معينين قد يكونون من كبار القوم. اما في لوقا، فانها موجّهة الى اناس كثيرين. وبينما يذكر متى سوء المعاملة التي بها قابل المدعوون الخدام او العبيد الذين ارسلهم الملك لكي يدعوهم، وحتى أدت بهم الجسارة، بل الوقاحة، الى قتل بعض منهم، يكتفي لوقا بالقول ان المدعوين اعتذروا عن المجيء الى الوليمة.
اما الاعذار التي قدمها المدعوون تبريراً لعدم مجيئهم، فكانت اثنين في متى : بعض المدعوين ذهبوا الى حقولهم، وغيرهم الى تجارتهم. اما في لوقا، فيقدم المدعوون ثلاثة اعذار لعدم مجيئهم الى الوليمة : واحد منهم اشترى حقلاً، ولابدَّ له ان يذهب ويراه. وآخر اشترى خمسة فدادين، فلابد ان يذهب ويجّربها. والفدادين هنا تشير الى ازواج الحيوانات التي تجرّ المحراث وتهيء الأرض للزراعة. وفي ذلك الزمان لم يكن وجود للجرارات او المكائن الزراعية الأخرى، فكانت في الغالب ثيران قوية او حمير، ونادراً ما البغال، تجرّ المحراث. اما الثالث فلم يأتِ الى الوليمة، لأنه تزوَّج حديثاً، فلا يستطيع ان يترك زوجته، ولم يقدّم اي اعتذار عن رفضه.

النتيجة، لقد اثار موقف المدعوين الرافض وتخلّفهم عن تلبية الدعوة الغضب والاستياء لدى صاحب الدعوة حتى أدى به الأمر الى معاقبة المتخلفين لرفضهم وإساءَتهم الى مرسَليه. والدعوة التي كانت معدَّة لأناس مميّزين، فُتحت امام اناس كثيرين من مختلف طبقات الشعب، ولاسيما امام الفقراء والمحتاجين وذوي العاهات، حتى لقد استُخدم الإلحاح الكثير في سبيل حمل بعضهم على المجيء الى الوليمة.
ويذكر متى ان صاحب الوليمة، اي الملك، لدى دخوله الى القاعة ليرى المدعوين، لاحظ بينهم رجلاً لم يكن لابساً ثياب العرس، وقد يكون بسبب فقره، اة لأنه أخذ الى الوليمة على حين غرة. مهما يكن من أمر، فحينما سأله الملك عن السبب، سكت الرجل ولم ينبس ببنت شفة. فأمر صاحب الدعوة بأن يشدّوا يديه ورجليه، ويلقوه في الظلمة البرانية.
...
لنتناول الآن النقاط الأساسية الواردة في هذا المثل :
1. الوليمة
قلنا ان الوليمة تشير الى الملكوت. كل وجبة طعام، - ما لم يكن الطعام انفرادياً – تجمع حول المائدة شخصين او عدة اشخاص تربطهم صلة القرابة او الصداقة او الضيافة. الا ان الاشتراك في الطعام يشير الى شيء أسمى من إزدراد الأطعمة. انه يشير الى المحبة (أغابي) التي توحّد القلوب وتدفع الانسان الى التعاون مع أخيه الانسان، والاسهام معه في جهود البشرية. وما أجمل العائلة حينما تجتمع في وجبة الطعام، غداء كان ام عشاءً. انها وليمة منزلية تجمع الاجسام والقلوب في المشاركة في مائدة واحدة، فيها ينسون خلافاتهم ومخالفاتهم في جوّ معطّر بالمحبة والتسامح.
وتشير الوليمة هنا في الانجيل الى ذلك العرس الأبدي الذي يقيمه الله للحمل الالهي، ابنه الوحيد، الذي بذل ذاته فداءً عن البشرية على الصليب، وجعل من تقدمة حبه وليمة كبرى ودائمة يقدّم فيها جسده ودمه طعاماً للمدعوين الذين هم جميع البشر بدون استثناء. وما اجمل العبارة التي وردت في القداس : طوبى للمدعوين الى وليمة الحمل!

2. المدعوون في انجيل متى، يبدو ان المدعوين اشخاص معيَّنون. اما في انجيل لوقا فان المدعوين كثيرون وفي كلتا الحالتين، ارسل صاحب الوليمة اناساً ليخبروا المدعوين بأن الوليمة معدَّة وهي تنتظرهم. لكن المدعوين اعتذروا ورفضوا المجيء. وفي موقفهم هذا اهانة لصاحب الدعوة واستخفاف بصداقته وبمبادرته السخية ... لكن الوليمة مهيأة، ولن تبقى بدون آكلين. لذا فان صاحب الوليمة يفتح أبواب داره امام أناس كثيرين، ويرسل خدَمه ليأتوا بجميع الذين يلقونهم في ساحات المدينة وشوارعها، وفي مفارق الطرق والاماكن المسَّيجة (البساتين)، بغضّ النظر عن أصلهم وفصلهم. ولا عن وضعهم الاجتماعي او احوالهم الصحية او عاهاتهم. فامتلأت قاعة الوليمة من مختلف أصناف البّشر، وفيهم الفقراء والكسحان والعميان والعرجان ... وهناك من يرى هنا إشارة الى دعوة الله الموجّهة اصلاً الى اناس معيَّنين، وقد وُجهت الآن، بعدَ رفض هؤلاء، الى جميع البشر بدون استثناء. وهناك مفسرون عديدون يرون في المدعوين الأولين اشارة الى الشعب اليهودي الذي رفض دعوة الله حينما تجلّت له واضحة في ابن الله المرسَل اليهم اولاً : "جاءَ الى خاصته (شعبه)، وخاصته لم تقبله" (يو 11:1). واذ ذاك وُجّهت الدعوة الى جميع الشعوب والأمم. جميعهم مدعوون للمشاركة في وليمة العرس، في وليمة الحمل، والافادة من طعام الحياة والخلاص الذي يقّدمه الله لهم مجاناً، كما قال اشعيا النبي.

3. الاعذار لقد اعتذر المدعوون الاولون عن المجيء الى الوليمة، وقدموا اعذاراً جاءَت موجزة لدى متى في أمرين : الحقل والتجارة. اما لوقا فيذكر ثلاثة اعذار وبشيء من التفصيل. فواحد منهم قال انه قد اشترى حقلاً، فلابدَّ له ان يذهب فيراه. وآخر قال انه اشترى خمسة فداوين وهو ذاهب ليجربها. والثالث قال انه قد تزوج حديثاً، فلا يسعه أن يأتي. انها اعذار قد تكون صحيحة وشرعية بحدّ ذاتها، الا ان الالتزام المفرط بها يدل على ان اصحابها يفضّلون مصالحهم وأعمالهم الشخصية على دعوة ذلك الانسان الطيّب وصداقته وأريحيته. فانها قضية الأفضلية في التقييم والاختيار. فحينما يتعلق الأمر بدعوة الله، فان الأولوية يجب ان تعطى له ولإرادته في كل شيء. وهنا نتذكر ما ورد في انجيل لوقا (57:9-62) للأشخاص الثلاثة الذين ارادوا ان يتبعوا يسوع. وكان هناك امور تشغلهم ويعيقهم عن اللحاق به في الحال. فوضع يسوع واحداً منهم امام واقعه الفقير والمتجرد : "ليس لابن الانسان ما يضع عليه رأسه!". وقال للآخر : "دعِ الموتى يدفنون موتاهم، واما انت فامضِ وبشّر بملكوت الله". وقال للثالث : "ما من احد يضع يدَه على المحراث، ثم يلتفت الى الوراء. يصلح لملكوت الله".
ان دعوة الله ملِحّة ولا تقبل اعذاراً واهية ويجب تفضيلها على كل شيء آخر، وهي لا تقبل اي تباطؤ او تردد على تصميم الله الرامي الى خلاصه وسعادته.

4. ثوب العرس يذكر الانجيل بحسب القديس متى، في نهاية هذا المثل، ان صاحب الوليمة اي الملك دخل القاعة لينظر الجالسين للطعام. فرأى هناك رجلاً غير لابس ثياب العرس، فوبَّخه، ثم أمر بشدّ يديه ورجليه وبإلقائه في الظلمة البرانية، اي بإبعاده ومنعه من المشاركة في الوليمة. فنلاحظ ان شرط اشتراك البشر في وليمة العرس الالهي لا يتوقف على تلبية الدعوة فحسب – وقد يرفضها كثيرون من المدعوين، كما جاءَ في المثل – بل ان يكون المرء مرتدياً ثوب العرس ايضاً. وبما ان ساعة الاحتفال بوليمة العرس ليست معلومة، لذا يترتب على كل مدعو، اي انسان كان، ان يكون ساهراً ويقظاً وفي حالة الانتظار والانتباه والاستعداد الدائم لتلبية الدعوة، حتى اذا جاءَ العريس يجد هذا المدعو مستعداً تماماً للاشتراك في عشاء العرس.
وهناك من يرى ان ثوب العرس يرمز الى الايمان او الى بهجة الخلاص او الى البر، اي الاعمال الصالحة التي يشدّد متى دائماً على أهميتها. ويبدو ان سياق الكلام يرجّح بالأحرى هذا التفسير الأخير. واذا كانت دعوة الله عامة ومجانية، فهي مع ذلك تتضمن الكثير من البذل والجهود.
اما ثوب العرس الحقيقي، فسوف يُستكمل في نهاية التاريخ، وهو ثوب من كتّان ناصع البياض وتنسجه اعمال المؤمنين، وهؤلاء ينتظرون عرس الحمل، في الفرح والتسبيح، وقد أنعم الله عليهم بدعوتهم الى هذا العرس والمشاركة في هذه الوليمة.

5. نحن ومثَل الوليمة ان امثال يسوع ليست قصصاً خيالية ولا روايات فارغة. انها أمثال مأخوذة من واقع حياتنا، وهي موجَّهة الينا، بل الى كل واحد منا شخصياً وتدعونا نحن ابناء القرن الحادي والعشرين الى اتخاذ مواقف صحيحة من تعاليم الرب الخلاصية. فهل نقرأها في هذا المنظور، ونتلقاها بشوق وبلهفة، ونجسّدها في حياتنا وأعمالنا؟
ان ملكنا السماوي يقيم لنا كل يوم، ولاسيما أيام الآحاد، وليمة فيها يقدّم لنا أثمنَ ما لديه : جسدَه، دمه، ذاته كلها. ويدعونا جميعاً للاشتراك في هذه الوليمة. ولكن يجب ان يكون هذا الاشتراك باستعدادات حسنة ونوايا صالحة. وحتى المظاهر الخارجية يجب ان تكون لائقة بهذا السر العظيم، وثوب العرس يعني جميع هذه الأمور معاً. ويحّذرنا القديس بولس من عدم الاهتمام الواجب باستعدادنا الروحي والجسدي لهذا السر، ويقول : "من أكلَ خبزَ الرب او شرب كأسه، ولم يكن اهلاً لهما، أذنب الى جسد الرب ودمه". ثم ينصحنا قائلاً : "ففليختبر الانسان نفسه، ثم يأكل من هذا الخبز، ويشرب من هذه الكأس (1قور 27:11-28).

واذا كانت كنيسة اليوم تحثّ جميع ابنائها المؤمنين على الاشتراك الفعلي، بالتناول، كلما احتفلوا بالوليمة الافخارستية، فهي تنصح المؤمنين أن يقوموا بهذا العمل العظيم بكثير من الخشوع والاحترام والاحتشام، وان يتجنَّبوا كل خفة وتسّرع وسطحية، وان يدركوا ان هذا العمل العظيم لا ينبغي ان يكون فعلاً عابراً في نهارهم، بل ان يكون له صدى عميق ومستمر في حياتهم وعلاقاتهم الأخوية التي يجب ان تتّسم، من جراء هذه المشاركة، بمحبة صادقة وتعاون وثيق وشعور عميق بانتمائهم الى المسيح الواحد الذي يتلقونه في هذه الوليمة الالهية.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 879


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في facebook


الأب البير ابونا
الأب البير ابونا

تقييم
1.01/10 (116 صوت)

 


get firefox

Copyright © 2014 www.adiabene.com - All rights reserved

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

GoDaddy